هناك ضوابط مهمة يجب معرفتها للذي يدرس السيرة النبوية:
أولاً: فهم حقيقة الإسلام ومنهجه المتكامل: فلا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري والجانب الخلقي والتشريعي خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام؛ حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة تشابكاً وثيقاً بحيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه.
أولاً: فهم حقيقة الإسلام ومنهجه المتكامل: فلا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري والجانب الخلقي والتشريعي خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام؛ حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة تشابكاً وثيقاً بحيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه.
الضابط الثاني:
ينبغي أن تنطلق دراسة السيرة من اليقين بعزة الإسلام وأحقيته في الحكم
والسيادة وأن الله لا يقبل ديناً سواه: وأنه لا يفهم إلا من خلال دراسة
السيرة، ولذا وجب البعد عن الروح الانهزامية في تحرير السيرة وتحليلها، خذ
على سبيل المثال: مسألة قـتل يهود بني قريظة لما قبلوا حكم سعد بن معاذ
فيهم وكان حليفهم في الجاهلية، فحكم فيهم بحكم الله: أن يقتل رجالهم وتسبى
نساؤهم وذراريهم! هنا يصعب الموقف على من في قلبه انهزامية، فيسعى للتشكيك
في ثبوت القصة. وهي ثابتة بلا شك.
الضابط الثالث:
اعتبار القرآن الكريم مصدراً أولاً في تلقي السيرة وفهمها: فالقرآن يشتمل
على إشارات تفصيلية لا توجد في مصدر آخر كما في أحداث زواج زينب -رضي الله
عنها-.
أيضاً دقة وصف القرآن للأحداث والأشخاص، حتى يصور نبضات القلب وتقاسيم الوجه وخلجات الفؤاد، وهذه خصيصة تنقل القارئ إلى جو الحدث ليعيش فيه، وأيضاً تركيزه على خصائص سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل: كونه بشراً، وأن رسالته عامة وأنه خاتم النبيين.
وبدراسة السيرة من القرآن يتحول الحدث من قصة في زمان ومكان معينين إلى درس كبير متكامل يتعدى ظروفهما ويُتلى إلى قيام الساعة.
إن من يعيش السيرة من خلال القرآن وصحيح السنة لا تعود السيرة في حسه مجرد أحداث ووقائع، وإنما تصير شيئاً تتنامى معه مشاعره الإيمانية ووعيه الإيماني بالسنن الربانية.
أيضاً دقة وصف القرآن للأحداث والأشخاص، حتى يصور نبضات القلب وتقاسيم الوجه وخلجات الفؤاد، وهذه خصيصة تنقل القارئ إلى جو الحدث ليعيش فيه، وأيضاً تركيزه على خصائص سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل: كونه بشراً، وأن رسالته عامة وأنه خاتم النبيين.
وبدراسة السيرة من القرآن يتحول الحدث من قصة في زمان ومكان معينين إلى درس كبير متكامل يتعدى ظروفهما ويُتلى إلى قيام الساعة.
إن من يعيش السيرة من خلال القرآن وصحيح السنة لا تعود السيرة في حسه مجرد أحداث ووقائع، وإنما تصير شيئاً تتنامى معه مشاعره الإيمانية ووعيه الإيماني بالسنن الربانية.
الضابط الرابع: تمحيص الصحيح من الأخبار فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة: فالمطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة ثم ما يعتضد من الضعيف؛ لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام، وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً، أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي.
ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام، فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على إثر الفتوح.
الضابط الخامس: الالتزام بالمصطلحات الشرعية: قسم الله -تبارك وتعالى- الناس ثلاثة أقسام: مؤمناً وكافراً ومنافقاً، كما في صدر سورة البقرة، وجعلهم حزبين: أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فالواجب الالتزام بهذه التسميات وعدم العدول عنها إلا عند الحاجة للتعريف باتجاهات بعض الأفراد الذين يترتب على معرفة ذلك منهم مصلحة، مع الحرص على التحديد ما أمكن، وفائدة التحديد في تقليل التمييع والتضليل الذي يسعى إليه المفسدون وأشياعهم حيث يحرصون على التعمية وتجاهل الأسماء الشرعية التي يترتب عليها أحكام، وتستلزم ولاءً أو براءً.
الضابط السادس: صدق العاطفة: من أسس دراسة السيرة توفر المحبة الصادقة لصاحبها -صلى الله عليه وسلم- والعاطفة الحية التي تُشعر بمدى الارتباط الحقيقي قلباً وقالباً، والتفاعل الحقيقي مع أحداث سيرته. ولقد عبر الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- عن عاطفته الجياشة فقال في مقدمة كتابه الفذ (فقه السيرة): "إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست كما قلت مؤرخاً محايداً مبتوت الصلة بمن يكتب عنه"، فدراسة السيرة هو تعبُّد لله -عز وجل- وتقرباً إليه.
الضابط السابع: الوفاء بحقوق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- دون غلو أو جفاء: ينأى عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنهج سلف الأمة في دراسة السيرة فريقان: قوم قصَّروا في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- وما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم، فدرسوا سيرته كما يدرسون سائر الشخصيات الأخرى، فنظروا لجوانب العظمة البشرية والقيادة والعبقرية والبطولة والإصلاح الاجتماعي، مغفلين الجانب الأعلى في حياته وهو تشرفه بوحي الله -عز وجل- وختم النبوة والرسالة، ولهؤلاء يحسن سياق خبر أبي سفيان يوم فتح مكة، حيث قال للعباس لما رأى كتائب الصحابة -رضي الله عنهم-: والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيماً، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذنً.
وآخرون بالغوا في التعظيم وغلوا في منـزلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يَرُقْ لهم وصفه بالبشرية، بل ربما خطر لبعضهم أنه ضربٌ من الجفاء مع أن كونه -صلى الله عليه وسلم- بشراً عبداً لله -عز وجل- من مسلَّمات العقيدة، وخلافه ضرب من الضلال، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لاتطروني ،كماأطرتالنصارىابنمريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله))[البخاري 3445].فالحق وسط بين الطرفين، ولدراسة السيرة انطلاقاً من ذلك أثر كبير في العقيدة والعبادة والسلوك والدعوة والتأسي والاقتداء.
الضابط الثامن:
تحديد هدف الدراسة وهو الاقتداء والتأسي: من العبث اعتبار سيرة النبي -صلى
الله عليه وسلم- لمجرد التسلية وإبراز عظمة الرجال، بل إن سيرته هداية
للناس، وترجمة عملية لدين الله -عز وجل- وتصور للإسلام يتجسد في حياة صاحب
الرسالة، تطبيقاً للمبادئ والقواعد والأحكام النظرية.
ولمَّا وعى الصحابة وسلف الأمة هذا الغرض اكتسبت السيرة في حياتهم مكانة علمية تليق بها وبهم.
ولمَّا وعى الصحابة وسلف الأمة هذا الغرض اكتسبت السيرة في حياتهم مكانة علمية تليق بها وبهم.
الضابط التاسع: معرفة مواضع الاقتداء من فعله -صلى الله عليه وسلم-: فمعرفة أحوال أفعاله -صلى الله عليه وسلم- وأقسامها مبحث أصولي يهم دارس السيرة. وفعله -صلى الله عليه وسلم- لا يخلو إما أن يكون صدر منه بمحض الجِبِلَّة، أو بمحض التشريع، وهذا قد يكون عامّاً للأمة، وقد يكون خاصّاً به -صلى الله عليه وسلم-، فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأفعال الجِبِلّية: كالقيام والقعود والأكل والشرب، فهذا القسم مباح؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به، ولذلك نسب إلى الجِبِلَّة، وهي الخِلْقة.
القسم الثاني: الأفعال الخاصة به -صلى الله عليه وسلم- التي ثبت بالدليل اختصاصه بها كالجمع بين تسع نسوة، فهذا القسم يحرم فيه التأسي به.
القسم الثالث: الأفعال البيانية التي يقصد بها البيان والتشريع، كأفعال الصلاة والحج، فحكم هذا القسم تابع لما بيَّنه، فإن كان المبيَّن واجباً كان الفعل المبيِّن له واجباً، وإن كان مندوباً فمندوب.
الضابط العاشر: معرفة كيفية الاستفادة منها في الواقع: الدراسة المفيدة للسيرة تحصل حين تُدرَس على أنها سنن ربانية يمكن أن تتكرر كلما تكررت ظروفها، ولا تتحقق أبداً حين ننظر للسيرة على أنها مجرد أحداث مفردة قائمة بذاتها حدثت زمن البعثة النبوية، بل هي آيات وعبر في شؤون الحياة كلها، وإلا ضاع رصيدها وقوتها الدافعة لأجيال المسلمين، فهي تربط المسلم بالسنن الربانية، وتربط قلبه بالله تعالى.
وأخيراً:
إن كل حركة إصلاح أو تغيير تعجز عن الاستفادة من السيرة في صياغة مناهجها وحل مشكلاتها هي بعيدة عن الاقتداء؛ لأن الواجب تجريد السيرة من قيد الزمان والمكان لتجيب عن أسئلة الواقع ومشكلاته.
والحمد لله أولاً وآخراً...
مقدمة في السيرة النبوية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد



0 التعليقات:
إرسال تعليق