تعديل

Werbung Österreich

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

أولاً: بيان أهمية السيرة النبوية:


السيرة النبوية جزء من التاريخ باعتبار أحداثها ووقائعها؛ إذ إن موضوع التاريخ هو: "أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والشعراء والملوك والسلاطين وغيرهم".


فالغرض من دراسة السيرة: هو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الصورة العملية التطبيقية لهذا الدين، وجميع الطرق الموصلة إلى الله تعالى, ثم إلى الجنة موصدة ومغلقة إلا طريقه -صلى الله عليه وسلم-، ويمتنع أن تعرف دين الإسلام ويصح لك إسلامك بدون معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان هديه وعمله وأمره ونهيه ومنهجه وسنته؟

لقد سالم النبي -صلى الله عليه وسلم- وحارب، وأقام وسافر، وباع واشترى، وأخذ وأعطى، وما عاش -صلى الله عليه وسلم- وحده، ولا غاب عن الناس يوماً واحداً، ولا سافر وحده، وقد لاقى صنوف الأذى وقاسى أشد أنواع الظلم، وكانت العاقبة والنصر له.

بعث -عليه الصلاة والسلام- على فترة من الرسل، وضلال من البشر، وانحراف في الفطر، وواجه ركاماً هائلاً من الضلال والانحراف والبعد عن الله تعالى، والإغراق في الوثنية، فاستطاع -بعون الله- أن يخرجهم من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، فأحبوه وفدوه بأنفسهم وأهليهم وأموالهم، واقتدوا به في كل صغيرة وكبيرة، وجعلوه نبراساً لهم يستضيئون بنوره، ويهتدون بهديه، فأصبحوا أئمة الهدى وقادة البشرية.

إن سيرته -صلى الله عليه وسلم- رسمت المنهج الصحيح الآمن في دعوة الناس، وهداية البشر، وما فشلت كثير من المناهج الدعوية المعاصرة في إصلاح الناس إلا بسبب الإخلال بهديه والتقصير في معرفة سنته، ونقص في دراسة منهجه -صلى الله عليه وسلم- في الهداية والإصلاح.

إن دراسة الهدي النبوي أمر له أهميته لكل مسلم، فهو يحقق عدة أهداف من أهمها:
الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خلال معرفة شخصيته وأعماله وأقواله وتقريراته، وتكسب المسلم محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتنميها وتباركها.

وكذلك التعرف على حياة الصحابة الكرام الذين جاهدوا معه، فتدعوه تلك الدراسة لمحبتهم والسير على نهجهم واتباع سبيلهم.
كما أن السيرة النبوية توضح للمسلم حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بدقائقها وتفاصيلها، منذ ولادته وحتى وفاته، مروراً بطفولته وشبابه ودعوته وجهاده وصبره، وانتصاره على عدوه، وتظهر بوضوح أنه كان زوجاً وأباً وقائداً ومحارباً وحاكماً وسياسياً ومربياً وداعيةً وزاهداً وقاضياً، وعلى هذا فكل مسلم يجد بغيته في هذه السيرة العطرة.

- فالداعية يجد له في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أساليب الدعوة ومراحلها المتسلسلة، ويتعرف على الوسائل المناسبة لكل مرحلة من مراحلها، فيستفيد منها في اتصاله بالناس ودعوتهم للإسلام، ويستشعر الجهد العظيم الذي بذله الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أجل إعلاء كلمة الله، وكيفية التصرف أمام العوائق والعقبات والصعوبات، وما هو الموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن؟.

- ويجد المربي في سيرته -صلى الله عليه وسلم- دروساً نبوية في التربية والتأثير على الناس بشكل عام، وعلى أصحابه الذين رباهم على يده وكلأهم بعنايته، فأخرج منهم جيلاً قرآنياً فريداً، وكوَّن منهم أمة هي خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأقام بهم دولة نشرت العدل في مشارق الأرض ومغاربها.

- ويجد القائد المحارب في سيرته -صلى الله عليه وسلم- نظاماً محكماً ومنهجاً دقيقاً في فنون قيادة الجيوش والقبائل والشعوب والأمة، فيجد نماذج في التخطيط واضحة، ودقة في التنفيذ بينة، وحرصاً على تجسيد مبادئ العدل وإقامة قواعد الشورى بين الجند والأمراء والراعي والرعية.

- ويتعلم منها السياسي كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يتعامل مع أشد خصومه السياسيين المنحرفين، كرئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر والبغض للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف كان يحوك المؤامرات وينشر الإشاعات التي تسيء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لإضعافه وتنفير الناس منه، وكيف عامله -صلى الله عليه وسلم-، وصبر عليه وعلى حقده حتى ظهرت حقيقته للناس فنبذوه جميعاً حتى أقرب الناس له وكرهوه والتفوا حول قيادة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- ويجد العلماء فيها ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى؛ لأنها هي المفسرة للقرآن الكريم في الجانب العملي، ففيها أسباب النـزول، وتفسير لكثير من الآيات، فتعينهم على فهمها والاستنباط منها ومعايشة أحداثها، فيستخرجون أحكامها الشرعية وأصول السياسة الشرعية، ويحصلون منها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، وبها يدركون الناسخ والمنسوخ وغيرها من العلوم، وبذلك يتذوقون روح الإسلام ومقاصده السامية.
- ويجد فيها الزهاد معاني الزهد وحقيقته ومقصده.
- ويستقي منها التجار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها.
- ويتعلم منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات، فتقوى عزائمهم على السير في طريق دعوة الإسلام وتعظم ثقتهم بالله -عز وجل-، ويوقنوا أن العاقبة للمتقين.

- وتتعلم منها الأمة كاملة الآداب الرفيعة والأخلاق الحميدة والعقائد السليمة والعبادة الصحيحة وسمو الأخلاق وطهارة القلب وحب الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة في سبيله، ولهذا قال علي بن الحسن: "كنا نُعلَّم مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نُعلَّم السورة من القرآن"، وكان الزهري -رحمه الله- يقول: "في علم المغازي علم الآخرة والدنيا".

إن دراسة الهدي النبوي في تربية الأمة وإقامة الدولة، يساعد العلماء والقادة والفقهاء والحكام على معرفة الطريق إلى عز الإسلام والمسلمين، من خلال معرفة عوامل النهوض وأسباب السقوط، ويتعرفون على فقه النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربية الأفراد وبناء الجماعة المسلمة وإحياء المجتمع وإقامة الدولة، فيرى المسلم حركةَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة، والمراحل التي مر بها وقدرته على مواجهة أساليب المشركين في محاربة الدعوة، وتخطيطه الدقيق في الهجرة إلى الحبشة، ومحاولته إقناع أهل الطائف بالدعوة، وعرضه لها على القبائل في المواسم، وتدرُّجه في دعوة الأنصار ثم هجرته المباركة إلى المدينة.

إن المسلم يتعلم من المنهاج النبوي كل فنون إدارة الصراع، والبراعة في إدارة المرحلة، وفي الانتقال من مستوى إلى آخر، وكيف واجه القوى المضادة من اليهود والمنافقين والكفار والنصارى، وكيف تغلب عليها كلها بسبب توفيق الله تعالى والالتزام بشروط النصر وأسبابه التي أرشد إليها المولى -عز وجل- في كتابه الكريم.

إن التمكين لهذه الأمة وإعادة مجدها وعزتها وتحكيم شرع ربها منوط بمتابعة الهدي النبوي، قال الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}[(54) سورة النــور].إن تأخر المسلمين اليوم عن القيادة العالمية لشعوب الأرض نتيجة منطقية لقوم نسوا رسالتهم، وحطوا من مكانتها وشابوا معدنها بركام هائل من الأوهام في مجال العلم والعمل على حد سواء، وأهملوا السنن الربانية، وظنوا أن التمكين قد يكون بالأماني والأحلام.

إن هذا الضعف الإيماني والجفاف الروحي والتخبط الفكري والقلق النفسي والشتات الذهني والانحطاط الخلقي الذي أصاب المسلمين، سببه الفجوة الكبيرة التي حدثت بين الأمة والقرآن الكريم والهدي النبوي الشريف وعصر الخلفاء الراشدين والنقاط المشرقة المضيئة في تاريخنا المجيد

أما ترى معي ظهور الكثير من المتحدثين اليوم باسم الإسلام؟ وهم بعيدون كل البعد عن القرآن الكريم والهدي النبوي وسيرة الخلفاء الراشدين، وأدخلوا في خطابهم مصطلحات جديدة ومفاهيم مائعة؛ نتيجة الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية، وأصبحوا يتلاعبون بالألفاظ ويَلْوُونها ويتحدثون الساعات الطوال ويدبجون المقالات ويكتبون الكتب في فلسفة الحياة والكون والإنسان ومناهج التغيير، ولا نكاد نلمس في حديثهم أو نلاحظ في مقالاتهم عمقاً في فهم فقه التمكين وسنن الله في تغير الشعوب وبناء الدول من خلال القرآن الكريم والمنهاج النبوي الشريف أو دعوة الأنبياء والمرسلين لشعوبهم أو تقصيّاً لتاريخنا المجيد، فيخرجوا لنا عوامل النهوض عند نور الدين محمود، أو صلاح الدين، أو يوسف بن تاشفين أو محمود الغزنوي، أو محمد الفاتح، ممن ساروا على الهدي النبوي في تربية الأمة وإقامة الدولة، بل يستدلون ببعض الساسة أو المفكرين والمثقفين من الشرق أو الغرب ممن هم أبعد الناس عن الوحي السماوي والمنهج الرباني.

ولسنا ممن يعارض الاستفادة من تجارب الشعوب والأمم، فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنَّى وجدها، ولكننا ضد الذين يجهلون أو يتجاهلون المنهاج الرباني وينسون ذاكرة الأمة التاريخية المليئة بالدروس والعبر والعظات، ثم بعد ذلك يحرصون على أن يتصدروا قيادة المسلمين بأهوائهم وآرائهم البعيدة عن نور القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.

إننا في أشد الحاجة لمعرفة المنهاج النبوي في تربية الأمة وإقامة الدولة، ومعرفة سنن الله في الشعوب والأمم والدول، وكيف تعامل معها النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما انطلق بدعوة الله في دنيا الناس، حتى نلتمس من هديه -صلى الله عليه وسلم- الطريق الصحيح في دعوتنا والتمكين لديننا ونقيم بنياننا على منهجية سليمة مستمدة أصولها وفروعها من كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[(21) سورة الأحزاب]، فقد كان فقه النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربية الأمة وإقامة الدولة شاملاً ومتكاملاً ومتوازناً وخاضعاً لسنن الله في المجتمعات وإحياء الشعوب وبناء الدول، فتعامل -صلى الله عليه وسلم- مع هذه السنن في غاية الحكمة وقمة الذكاء، كسنة التدرج، وسنة التدافع، وسنة الابتلاء، وسنة الأخذ بالأسباب، وسنة تغيير النفوس، وغرس -صلى الله عليه وسلم- في نفوس أصحابه المنهج الرباني وما يحمله من مفاهيم وقيم وعقائد وتصورات صحيحة عن الله والإنسان والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يتأثرون بمنهجه في التربية غاية التأثر، ويحرصون كل الحرص على الالتزام بتوجيهاته، فكان الغائب إذا حضر من غيبته يسأل أصحابه عما رأوا من أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن تعليمه وإرشاده، وعما نزل من الوحي حال غيبته، وكانوا يتبعون خطى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل صغيرة وكبيرة، ولم يكونوا يقصرون هذا الاستقصاء على أنفسهم، بل كانوا يلقنونه لأبنائهم ومن حولهم.

إن السيرة النبوية تعطي كل جيل ما يفيده في مسيرة الحياة، وهي صالحة لكل زمان ومكان ومصلحة كذلك.

إن السيرة النبوية غنية في كل جانب من الجوانب التي تحتاج إليها مسيرة الدعوة الإسلامية، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ترك سوابق كثيرة لمن يريد أن يقتدي به في الدعوة والتربية والثقافة والتعليم والجهاد وفي كل شؤون الحياة، كما أن التعمق في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يساعد القارئ على التعرف على الرصيد الخلقي الكبير الذي تميز به الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن كل البشر، والتعرف على صفاته الحميدة التي عاش بها في دنيا الناس، فيرى من خلال سيرته مصداق قول الشاعر:
وأجمل منك لم تر قط عيني *** وأفضل منك لم تلد النساء
خلقت مبــــرأً من كل عيب *** كأنك قد خلقت كمــا تشاء
السيرة الشريفة مليئة بالذخائر والكنوز واللآلئ والدرر، ولابد من الغوص وراء أصدافها الحافظة لها، واستخراج دررها الفريدة من داخلها؛ عجائبها غزيرة، وعقودها باهرة، أتت بالعجائب والنجائب والمراتب في كل باب، وأنتجت الفتوحات المتنوعات في كل درب، وقدمت الصيغ الإنسانية التي تربّت على مائدة القرآن، أفضل النماذج التي يحتذى بها.

وقد احتوت السيرة النبوية ذلك كله، ولذلك فكلما عاشها الإنسان وعاشت به، عرفها أكثر وأدركها أعمق واقترب من مضامينها وأسرارها، ولهذا لا يكفي المسلم -خصوصاً المسلم العامل لدينه- أن يقرأ السيرة مرة واحدة، ولا يكفيه أن يسمع السيرة مرة واحدة، بل يجب أن تكون السيرة النبوية مصاحبة له دائماً، وكلما انتهى من قراءة كتاب من كتب السيرة، انتظر فترة ثم اختار كتاباً آخر وقرأ السيرة مرة ثانية، وفي كل قراءة تتكشف له أشياء وتتفتح له أبواب ويفهم أشياء من هذه السيرة ما فهمها في المرة السابقة، وكلما زاد إدراك الشخص ووعيه وكبر عقله زاد ذلك من فهمه واستنباطاته من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.


 مقدمة في السيرة النبوية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

0 التعليقات:

إرسال تعليق