إن السيرة النبوية لا تدرس من أجل المتعة في التنقل بين أحداثها أو قصصها، ولا من أجل المعرفة التاريخية لحقبة زمنية من التاريخ مضت، ولا محبة وعشقاً في دراسة سير العظماء والأبطال، ذلك النوع من الدراسة السطحية، إن أصبح مقصداً لغير المسلم من دراسة السيرة، فإن للمسلم مقاصد أخرى من دراستها من ذلك:
أولاً:أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو محل القدوة والأسوة، وهو المشرع الواجب طاعته واتباعه، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[(21) سورة الأحزاب]، وقال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}[(54) سورة النــور]، وقال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}[(80) سورة النساء]، وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[(31) سورة آل عمران]، فهو التجسيد العملي والصورة التطبيقية للإسلام، وبدونها لا نعرف كيف نطيع الله تعالى ونعبده.
لقد أصبحت سير كثير من العظماء أضحوكة للبشر على مدار التاريخ كله، فأين نمروذ الذي قال لإبراهيم: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}[(258) سورة البقرة]؟! وأين مقالة فرعون وشأنه الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[(24) سورة النازعات]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[(38) سورة القصص]؟!إن هؤلاء العظماء في زمانهم يسخر منهم اليوم الصغير والكبير والعالم والجاهل، فإن كانوا دلّسوا على أقوامهم في زمنهم واستخفوا بهم فأطاعوهم، فقد افتضح أمرهم بعد هلاكهم، وأصبحوا محل السخرية على مدار الزمان.
إن سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاءت بإخراج الناس من ظلمات الشرك والأخلاق وفساد العبادة والعمل، إلى نور التوحيد والإيمان والعمل الصالح: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}[(45-46) سورة الأحزاب].
ثانياً: المقصد الثاني: ليزداد إيماننا ويقيننا بصدقه، فالوقوف على معجزاته ودلائل نبوته مما يزيد في الإيمان واليقين في صدقه -صلى الله عليه وسلم-، فدراسة سيرته العطرة وما سطرته كتب السيرة من مواقف عظيمة وحياة كاملة كريمة تدل على كماله ورفعته وصدقه.
ومن الأمثلة على دلائل النبوة: حنين الجذع، وتكثير الطعام، ونبع الماء بين أصابعه، والإخبار بأمور غيبية مستقبلية وقعت كما أخبر، كقصة حرام بنت ملحان في ركوب ثبج البحر، وحديث أبي هريرة في الصحيحين: ((يهلك كسرى فلا يكون كسرى بعده))، وفي البخاري: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين)) فحصل كما أخبر، وحديث: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرَّ والحرير والخمر والمعازف))[البخاري 5590] ، و((من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد))[صحيح الجامع8595] وغيرها كثير.
ثالثاً:
لينغرس في قلوبنا حبه، فما حملته سيرته من أخلاق فاضلة، ومعاملة كريمة،
وحرصه العظيم على هداية الناس وصلاحهم وجلب الخير لهم، وبذل نفسه وماله في
سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، وما كان
من حرصه -صلى الله عليه وسلم- على أمته في إبعادها عما يشق عليها ويعنتها،
ولا أعظم من وصف الله -جل وعلا- له في قوله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[(128) سورة التوبة]، وقال تعالى واصفاً نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[(4) سورة القلم].وأنه
لم ينتقم لنفسه قط، ولا فرح أو حزن أو ضحك أو غضب من أجل نفسه ومصالحه
الشخصية قط، أو انتصر لنفسه مرة واحدة، بل كل ذلك من أجل الله تعالى.
رابعاً: لنعبد الله تعالى بذكره والصلاة والسلام عليه، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[(56) سورة الأحزاب]، وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بها عَشْرًا)).
مقدمة في السيرة النبوية
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد



0 التعليقات:
إرسال تعليق